الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

490

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

منه توليد النار ، إلا أنه لا مانع من أن تشمل الأشياء المشتعلة أيضا كالحطب باعتباره نارا خفية تظهر وقت توفر الشروط المناسبة لها . ولا تنافي بين المعنيين ، حيث المعنى الأول يفهمه العامة من الناس ، والثاني أدق ، يتوضح مع مرور الزمن وتقدم العلم والمعرفة . وفي الآية اللاحقة يضيف مؤكدا الأبحاث أعلاه بقوله سبحانه : نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين . إن عودة النار من داخل الأشجار الخضراء تذكرنا برجوع الأرواح إلى الأبدان في الحشر من جهة ، ومن جهة أخرى تذكرنا هذه النار بنار جهنم . يقول الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " ( 1 ) . أما تعبير متاعا للمقوين فإنه إشارة قصيرة ومعبرة للفوائد الدنيوية لهذه النار ، وقد ورد تفسيران لمعنى المقوين : الأول : أن ( مقوين ) من مادة ( قواء ) على وزن ( كتاب ) بمعنى الصحراء اليابسة المقفرة ، ولهذا أطلقت كلمة ( المقوين ) على الأشخاص الذين يسيرون في الصحاري ، ولأن أفراد البادية فقراء ، لذا فقد جاء هذا التعبير بمعنى " الفقير " أيضا . والتفسير الثاني : أن ( مقوين ) من مادة ( قوة ) بمعنى أصحاب القوة ، وبناء على هذا فإن المصطلح المذكور هو من الكلمات التي تستعمل بمعنيين متضادين ( 2 ) . صحيح أن النار هي مورد استفادة الجميع - ولكن المسافرين يستفيدون منها ويعتمدون عليها في الدف ء والطهي وخاصة في أسفارهم في الأزمنة القديمة أكثر من الآخرين . واستفادة " الأقوياء " من النار واضحة أيضا ، وذلك لإتساع المجالات التي

--> 1 - تفسير القرطبي ، ج 9 ، ص 6392 ، وتفسير روح المعاني ، ج 27 ، ص 131 . 2 - من الجدير بالملاحظة أن كلمة ( متاع ) تطلق على كل وسيلة يستفيد منها الإنسان في حياته .